أبو علي سينا
120
الشفاء ( المنطق )
والحجة الثالثة - أنه قد تبين في أنولوطيقا الأولى « 1 » أن البيان بالدور كيف يكون وفي أي شيء يكون ، فإنه لا بد من أن يقع « 2 » في حدود أقلها ثلاثة ، وأن يكون بعضها منعكسا على بعض مساويا له . واتفاق مثل هذه في البراهين قليل . وكيف يمكن أن يتفق أن تكون المبادئ الأولى للبراهين كلها على هذه الشريطة حتى يتبين بعضها ببعض بالدور ؟ وهذه - أعني مبادئ البراهين « 3 » - كثيرة جدا لا يتفق في جميعها أن تكون حدودها متعاكسة . فإن لم يتفق هذا في بعضها لا يتبين بالدور . ونعم ما قيل : إن هؤلاء يعالجون الداء بأدوى « 4 » منه . فإنهم لما أرادوا أن يتخلصوا من لزوم أن لا برهان ، أو لا بد من ذهاب مبادئ البرهان إلى غير النهاية « 5 » ، فجعلوا مبادئ البرهان محتاجة في أن تعلم إلى ما لا يعلم إلا بها ، فآل أمرهم إلى أن جعلوا مبادئ البرهان لا تعلم البتة ولا يعلم بها شيء . على أن بيان الدور لا يخلص من الذهاب إلى غير نهاية ، فإن الدور نفسه ذهاب إلى غير النهاية « 6 » ، ولكن في موضوعات متناهية العدد . فلا هم تخلصوا من الشناعة « 7 » المبطلة للعلم ، ولا تخلصوا من الذهاب إلى غير النهاية . ولما كانت مقدمات البرهان تفيد العلم الذي لا يتغير ولا يمكن أن يكون معلوم ذلك العلم بحال أخرى غير ما علم به ، فيجب أن تكون مقدمات البرهان أيضا غير ممكنة التغير عما هي عليه . وهذا المعنى أحد المعاني التي تسمى ضرورية « 8 » . فلنعد الوجوه التي يقال عليها " الضروري " . وكأنا أومأنا إلى ذلك في بعض ما سلف فنقول : إن " الضروري " إما أن يقال بحسب الوجود المطلق بلا شرط : وهذا الذي لا يمكن البتة أن يفرض معدوما في وقت من الأوقات . وإما أن يقال بحسب العدم المطلق ، وهو الشيء الذي لا يمكن البتة أن يفرض موجودا في وقت من الأوقات ، وإما أن يقال بحسب وجود حمل ما أو عدم حمل ما وهو سلبه . وهذا على أنحاء خمسة : فيقال إما أن يكون « 9 » السلب والإيجاب دائما لم يزل ولا
--> ( 1 ) الإشارة إلى أنالوطيقا الأولى م 2 ف 5 عند أرسطو . ( 2 ) س يتفق . ( 3 ) س البرهان . ( 4 ) س بأدوإ . ( 5 ) س نهاية . ( 6 ) س نهاية . ( 7 ) س شناعة . ( 8 ) س ضروريا . ( 9 ) هذا في س ، بح وفي ب ، م لما كان من السلب إلخ .